محمد بن علي الشوكاني
5645
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، وأصلي وأسلم على رسولك وآل رسولك . وبعد : فإنه وفد إلي كتاب من بعض الأعلام الأفاضل المشهورين بالزهد والورع والوقوف عند حدود الشرع ، وفي عنوانه من فلان بن فلان ، ولا شك ولا ريب أن هذا العنوان هو الذي كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم في جميع مكاتباتهم ، بل هو العنوان الذي كان الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعنون به كتبه الشريفة إلى الأقطار ، فهو من هذه الحيثية سنة حسنة ، وخصلة مستحسنة ، ولكنه نشأ قوم يعتقدون أن من عنون كتابه بما جرت عليه عادات المتأخرين من لفظ سيدي فلان ، ونحو ذلك فقد ارتكب عظيما ، وفعل جسيما ، وتلبس بغير شعار الإسلام ، وارتطم في أعظم مهاوي الآثام ، وليس الأمر كذلك ، فالخطب يسير ، والخطر في مثل هذا حقير . وها أنا أذكر ما تمسك به هؤلاء المتشددون ، وما يرد به عليهم لقصد الإفادة لذلك الذي كاتبني من نبلاء السادة القادة ، فليجعل هذا البحث عنوانا يقيس عليه سائر المسائل التي حدث التشديد فيها ، وعظم النكير على من خالفها على أنحاء يتعذر تلافيها . فأقول : استدلوا على المنع من إطلاق لفظ السيد وسيدي ونحو ذلك بما أخرجه النسائي ( 1 ) بإسناد جيد عن عبد الله بن الشخير قال : انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فقلنا له : أنت سيدنا ، فقال : " السيد الله تبارك وتعالى " قلنا : وأفضلنا وأعظمنا طولا ، قال : " قولوا بقولكم أو بعض قولكم ، ولا يستجرنكم الشيطان " ، وفي رواية ( 2 ) " ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد الله ورسوله ،
--> ( 1 ) في " عمل اليوم والليلة " رقم ( 246 ) . قلت : وأخرجه أبو داود رقم ( 4806 ) ، وهو حديث صحيح . ( 2 ) أخرجها النسائي في " عمل اليوم والليلة " رقم ( 248 ) وأحمد ( 3 / 241 ، 249 ) من حديث أنس ، وهو حديث صحيح .